
مخيم مكشوف في منطقة جبل سيناء الصحراوية"، جون فريديريك لويس
منجزات الاستشراق في ظل الصراع مع الآخر
د. مفيد الزيدي
يعد الاستشراق مظهرا من مظاهر صلة الغرب بالشرق, وهو نتاج لهذه الصلة وتنبعث عنه حقيقتان, الأولى أن تنوع صلات الغرب بالشرق قد فرض بدوره تنوع الاستشراق فأصبح لدينا استشراقا سياسيا يعبر عن مصالح الغرب السياسية والاستعمارية, واستشراقا دينيا يترجم دوافع التبشير, واستشراقا أدبيا يستلهم فيه بعض الأدباء سحر الشرق وغرابته, واستشراقا أكاديميا جعل المعرفة همه الأساس , ولذلك فإن دراسة الإستشراق تتطلب من الدارس أو الباحث أن يضع نصب عينه هذه الحقيقة.
أما الحقيقة الثانية, فإن الموقف من الغرب قد خلق أنماطا متباينة من نقد الاستشراق, فالموقف من الاستشراق الذي يحدده "بالطبع" موقف صاحبه أي الغرب, فبقدر تنوع الصلات والمواقف من الغرب تنوعت المواقف من الاستشراق, وتشكلت مدارس ومناهج بالغة الاختلاف إلى حد كبير في نقدها للاستشراق, فمنها ما له منظور ديني وآخر قومي, وثالث ماركسي, وأضاف إدوارد سعيد إنجازه الكبير في كتابه عن الاستشراق الذي وظف مقولات المدرسة البنيوية في نقده للاستشراق.
إن السير تحت راية هذا المنهج أو ذاك يحدده الهدف أو الغاية من العمل بقدر ما يحدده انتماء صاحبه لهذا الاتجاه أو سواه, والباحث الذي كانت له اسهامات سابقة في نقده للاستشراق انطلاقا من رؤية دينية أو قومية تملي عليه المقام الأول أن ينشد وهو يعمل عملا أكاديميا أن تكون وجهته أكاديمية قدر الإمكان حسب معرفته وخبرته, ومحاولة إيقاف عواطفه وانفعالاته, ولكن لا تعني إغفال الثوابت الإسلامية والحقائق التاريخية التي لا يرقى إليها الشك.
إن أبرز نموذج لدراسة الاستشراق الأوروبي هو الاستشراق الإنجليزي لكونه الأقدم والأعرق والأكثر إنجازا والأكبر حجما في مجال ظهور المستشرقين.
وقد تنوعت أنماط ومناهج الاستشراق الديني, وأهم المستشرقين فيه هم يوحنا الدمشقي "680-750م" بطرس المبجل "1092-1156م" ريموند لول "1235-1316م" في فترة العصور الوسطى, وكل واحد منهم يمثل مرحلة مهمة على صعيد دراسة الشرق والإسلام بدأت مع الأول الذي دخل في مجادلات مع المسلمين, أما الثاني فقد أنجزت تحت رعايته أول ترجمة لاتينية للقرآن الكريم عام 1143م في دير كلوني في جنوب فرنسا, وارتبط الثالث بإقرار مجمع فينا الكنسي إنشاء كراسي لدراسة اللغة العربية في كل من باريس وبولونيا في عام 1312م, ثم أعقبته دعوات أخرى في الاتجاه نفسه مثل كتابات همفري بريدو1648-1724"" وسيمون اوكلي "1648-1720", ثم تبعه في القرن التاسع عشر حيث شهدت بريطانيا المزيد من السيطرة الاستعمارية على الأراضي الإسلامية, وتجلت الفرصة سانحة أمام المبشرين لينقضوا على البناء الإسلامي وأبرز المستشرقين الويز شبنكلر "1813-1893", ووليم ميور "1819-1900", وكتب آخرون ماركو ليوث "1858-1940" ودنكان مكدونالد "1863-1942" وأبرزت مجلة طٌُْل تحت إشراف صموئيل زويمر منذ عام 1911 حيث طغت عليها فكرة أن الإسلام بات يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وشهد القرن التاسع عشر اهتماما أوروبيا بالشرق, وأسماء معروفة في دراسة الشرق ولغاته وحضارته بفعل دوافع سياسية مثل هنري بالمر وريتشارد بيرتن وتشالز دوتي والأول "1840-1883" درس الجغرافية والطبيعة البشرية لصحراء سيناء بعد احتلال إنكلترا لمصر عام 1882، وظهرت دراسات جغرافية مثل دراسة كتشنر, وكلود كوندر, وكي لسترينج, وريتشارد بيرتن "1821-1
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ